أبي حيان الأندلسي

290

البحر المحيط في التفسير

يأتني يخرج خالد ، ولا يقدر ضميرا يعود على اسم الشرط ، لم يجز بخلاف الشرط إذا كان بالحرف ، فإنه يجوز خلوّ الجملة من الضمير نحو : إن تأتني يخرج خالد . وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى روي عن ابن عباس أنها نزلت في ناس من اليمن يحجون بغير زاد ، ويقولون : نحن متوكلون بحج بيت اللّه أفلا يطعمنا ؟ فيتوصلون بالناس ، وربما ظلموا وغصبوا ، فأمروا بالتزود ، وأن لا يظلموا أو يكونوا كلّا على الناس . وروي عن ابن عمر قال : إذا أحرموا ومعهم أزودة رموا بها ، واستأنفوا زادا آخر ، فنهوا عن ذلك ، وأمروا بالتحفظ بالزاد والتزود . فعلى ما روي من سبب نزول هذه الآية يكون أمرا بالتزود في الأسفار الدنيوية ، والذي يدل عليه سياق ما قبل هذا الأمر وما بعده ، أن يكون الأمر بالتزود هنا بالنسبة إلى تحصيل الأعمال الصالحة التي تكون له كالزاد إلى سفره للآخرة ، ألا ترى أن قبله : وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ومعناه الحث والتحريض على فعل الخير الذي يترتب عليه الجزاء في الآخرة ؟ وبعده فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى والتقوى في عرف الشرع والقرآن عبارة عن ما يتقى به النار ؟ ويكون مفعول : تزودوا ، محذوفا تقديره ، وتزودوا التقوى ، أو : من التقوى ، ولما حذف المفعول أتى بخبر إن ظاهر ليدل على أن المحذوف هو هذا الظاهر ، ولو لم يحذف المفعول لأتي به مضمرا عائدا على المفعول ، أو كان يأتي ظاهرا تفخيما لذكر التقوى ، وتعظيما لشأنها . وقد قال بعضهم في التزود للآخرة : إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى * ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله * وأنك لم ترصد كما كان أرصدا وقال بعض عرب الجاهلية : فلو كان حمد يخلد الناس لم يمت * ولكن حمد الناس ليس بمخلد ولكن منه باقيات وراثة * فأورث بنيك بعضها وتزود تزود إلى يوم الممات فإنه * وإن كرهته النفس آخر موعد وصعد سعدون المجنون تلّا في مقبرة ، وقد انصرف ناس من جنازة فناداهم : ألا يا عسكر الأحياء * هذا عسكر الموتى أجابوا الدعوة الصغرى * وهم منتظرو الكبرى